نظرات إستغراب 


أدى للمحاسب أجرة السفر و بعد أن عد  الدراهم بعناية  وضعها في الجيب الأيمن لسروال العريض و سحب السلسلة إلى الأعلى ليحكم الإغلاق ، ثم  فتح باب سيارة المرسيدس البيضاء المتهالكة و كأنها خردة من مخلفات الحرب باقية لجذب السياح و الزوار،  لمحت عيناه فتاتان سافرتان عاريتي الذراعين بلباس قيض يكاد اللحم المضغوط يمزقه، كانتا  تجلسان بجانب الباب بأجسادهن المترهلة و صدورهن النافرة و أردافن المكتزة يرتدين قمصانا فاضحة كاسية وعارية فاعقة ألوانها تسر العزاب الناظرين. 


ذكره المشهد بموسم التزواج عند إناث الحيوان و موسم الصيد عند ذكورها، و سرعان ما  إستعاذ بالله من كل الشياطين الحاضرة و الغائبة  و أدار وجهه إلى الجهة الأخرى حيث يجلس شاب بلباس مستغرب و ألوان متنافرة و حلاقة رأس غريبة شبيهة بسكان الأدغال الإفريقية النائية عن كل حضارة تدلت من عنق الشاب سلسلة معدنية كبيرة لم يتبين  الرجل الثلاثيني الفائدة من حمل هذه الكمية من المعدن و في أذني الشاب سماعتان تخرج منهما كلمات أغنية شعبية تدعوا إلى إحتساء الخمر الوطنية و الإنفاق على البغايا بسخاء.


طلب منه بأدب أن يسدي إليه معروفا كبيرا بأن يجلس بجانب الفاتنتان في المكان الشاغر، نظر إليه الشاب في إستغراب ثم أزال إحدى السماعتين قبل أن يطلب منه أن يعيد كلامه لأنه لم يسمع منه كلمة:


- ما الذي قلت للتو؟ لم أسمع شيء.

_ لو سمحت..إجلس هناك و دعني أجلس هنا.

تفطن الشاب للمقصود و تظاهر أيضا بالعفة و الورع و رفض الطلب في البداية ليستسلم بعد ذلك  لإلحاح المسافر الغريب الذي سأل الله أن يرحم والديه أحياء و أمواتا و دعى له بكل خير.


  

تمايلت الشابتان على بعضهما البعض و انخطرتا في ضحكات إغراء ماجنة و تبادلتا نظرات التهكم و الإزدراء، ورمقتا الغريب بعيون مستخفة  و ساخرة.


  رفع  الغريب جلبابه الأبيض القصير و بسمل قبل أن يستوي على كرسي جلدي مهترئ تفوح من رائحة بنزين قديمة تختلط بعطر نسائي فواح يزكم الأنوف و يحرك أفكار الغواية و الإستسلام للمراودة.


 


وضع الغريب حقيبته الظهرية في حجره، أدار السائق مفتاح التشغيل فاشتعل المحرك الراقص واستجابت له أعضاء السيارة فرقصت الأبواب و المقاعد طربا و كأنها تحفظ النغم جيدا، أدار زر تشغيل المذياع فصدح منه صوت أغنية زجلية تشيد بهموم السكارى و يدعوهم عازف كمان تقليدي بمساعدة راقصات شعبيات إلى الغناء و الرقص نسيانا و هربا من هموم الدنيا الظالمة  لأصحاب الحظ العاثر.


ما إن إنتهى الغريب من تلاوة دعاء ركوب الدابة و دعاء السفر حتى إمتعض من تلك الأصوات الصاخبة المزعجة، ثم مد يده ممسكا بمقعد السائق و سأله مستعطفا أن يشغل قرآنا حتى ينتفع الراكبون جميعا بكلام في سماعه خير و أجر.


- أخي الكريم إننا في سفر ولا ندري أنصل إلى وجهتنا أم لا، فالله خير حافظا و هو أرحم الراحمين، فخير لنا أن يكون القرآن الكريم  رفيق رحلتنا.

أجابه السائق: إنما هذا الذي تسمعه مذياع و ليس معي شريط قرآني.


 تابع الغريب سؤال السائق أن لا يرده خائبا رحمة لوالديه، و دعى له بالجزاء الأوفى و بكل خير بينما كانت العيون الفضولية تلاحقه في حيرة كأنه مسافر  قادم من زمن ولى بلا رجعة أخطأ الطريق عبر آلة الزمن فقذفته في المكان و الوقت الخطأ.


    ظل السائق ساكتا في سكون مريب، و شعر الراكب الغريب بهواجس و مخاوف تهجم على عقله و قلبه في آن واحد و خشي من سوء عاقبة الأمر و أوشك أن يلوم نفسه و يندم على تسرعه في طلبه هذا، لكنه حافظ على رباطة جأشه و عاد إلى توازنه النفسي و واصل توسله و طلبه في إصرار وهو يحدث نفسه قائلا: ما أردت لنفسي و لهم إلا الخير و لن يكون في ملك الله إلا ما هو كائن.

          


إستجاب السائق لطلبه على مضض فأغلق المذياع، تفاجأ من جرئته وهو الذي يغلبه الخجل دائما و تذكر موعظة هزت جوارحه كلها، موعظة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


 شعر أن عيون حسناء مكتحلة  في خمار بني تراقبه بنظرات استفهام و استغراب وكأنها تحسب أن ما أقدم  عليه الغريب ما هو إلا رغبة في لفت انتباهها و نيل إعجابها، فلم يأبه بوجودها و عدمها و لا أظهر لها أدنى إهتمام، و بقي غاضا بصره يتصفح  شاشة هاتفه الذكي يقرأ هذا المنشور و يشاهد هذه الصورة  و يتفرج على  ذالك المقطع، تملكه شعور عجيب يغلب عليه  الخوف حينا و الفرح حينا آخر،  وهو يستعيذ في سره من نزغات الشيطان الرجيم و يدعو الله أن يديم عليه هذه النعمة العظيمة نعمة مجاهدة فتنة النساء وأن يصرف عنه كيدهن فإن كيدهن عظيم، فإن شهوة النساء زينت للناس فهي أشد الفتن و من نجى منها فهو من السعداء ظاهرا و باطنا.

تعليقات